الشعاع...يوم من حياة امراة
تسربت اشعة الشمس الى غرفتها..هادئة رائقة ..داعبت وجهها ..اقتحمت غطاءها ..سرى الدفء في اطرافها ..بدات تغفو...فجاة فتحت عينيها وقد سرت في جسدها قشعريرة ..لتجد السماء وقد اكفهرت وعم الظلام..ذاك اللون الرمادي ..اللون الذي لا تحبه ..تسميه مع نفسها ..-لون السوء-..جلست ..حظنت ركبتيها وبدات تهدهد جسدها ..تلاحق سرب الافكار ..تلبس كل فكرة زيا مختلفا ..تصففها ..تخاطبها ..تتوعدها ان لم تلتزم الهدوء والنظام.. بانها ستعاقبها ..داهمها فجاة سيل من الاسئلة تزاحمت امامها ..كل سؤال يريد ان يكون في الصدارة..ازاحتها من امامها واقسمت الا تجيب ..ستتركها تتقاتل..اليست الغلبة في هذا الزمن للاقوى؟ اذن ستجيب فقط على السؤال الذي سيتمكن من تحديها.. لاحقتها الاسئلة من جديد لم يكن هناك سؤال يقوي على المكوث اماها اكثر من ثانية..في مثل هذه الحالة تفضل ان تقوم باعمال البيت ..
نهظت ..كانت النوافد مقفلة ارادت فتحها ..خافت ان تزحف العاصفة الى الداخل..دفعت باب النافدة..كان الضباب مخيفا ..هي تعرف هذا الضباب الظلام الذي يندر بعاصفة ..يزحف عندها الغبار في جميع الاتجاهات ..يغلق المنافد ..ينتقل الى الناس ..تيبس تصرفاتهم ..تتحول قناعاتهم..يحسون الخوف من المجهول..ذالك الخوف هو الذي انتقل اليها الان..اخدت تردد ما تحفظه من ايات قرانية و ادعية..
لم تكن متالمة ..لم تكن حزينة ..فقط كانت تحس بالجفاء ..بالجفاف ..تريد شيئا ولا تريد ..تحس انها جسد بل روح..لا تستطيع تحديد مكانها ..في عقلها تطن تلك الاسئلة التي تتهرب منها ..حتى صلاتها اضحت حركات لا غير..حتى عملها الذي كانت تقوم به على اكمل وجه ..هاهي تهمله...
اثناء اغفائها.. لم تعرف بالضبط ماحصل..كل ماتعرف انها احست بالدفء وان الشعاع الذي داعبها كان امتع لحظة في حياتها الطويلة ...الان هي وحيدة بدات تتنقل بين غرف المنزل ..ازعجتها الرتابة والترتيب ..كل شيء في مكانه ..اضحكتها بلادة الوسائد وهي متكئة على الحائط فوق (المصطبات) بعناية فائقة ..كانها في اكادمية عسكرية تنتظر مرور الحاكم...مرت ببقية المنزل ..كل شي نظيف في مكانه ينتظر..كما هي تنتظر...دخلت غرف الاولاد ..كل شيء مبعثر ..الدفاتر والملابس والاسلاك الكهربائية ..الجوارب ..اه كم تكره الجوارب...تعودالاولاد ان تقوم بترتيب اسرتهم ..ملابسهم ..صورهم ..حتي اللعب التي غالبا ما تطاها بقدمها وتسقط وهي تصرخ الما..كانت تجمعها ..ترميها ..تم تعيدها وقد اشفقت عليها وعليهم..
الان لم تعد تستطع القيام بهذا ..احيانا تترك العمل لمساعدتها واحيانا تتعمد ان تترك الغرف وهي ترزح تحت وطاة الفوضى علهم يعتمدون على انفسهم ..عندما اخبرت صديقتها قالت لها ان جميع الامهات الان يعانون من نفس المشكلة ..رددت =ا"لمصيبة اذا عمت هانت "..انحنت لتلتقط بعض الجوارب لتضعها في سلة ..نظرت الى الفوضى ..رددت مع نفسها =لن اضيع وقتا اخر في هذا المكان..لقد اعطيت كل ما عندي...هاهم ينطلقون في الحياة ..يصنعون مستقبلهم..يقبلون ..يتناولون الطعام ..يغادرون ..احيانا يحلو لولدها الصغر ان يلاعبها اويمزح معها ..يرددلها كلمات يصوغها بنفسه خاصة لها لا يفهمها الاهو وهي.. يردد=جمولتي ..تبويقتي..حبوبتي..غضوبتي..."ينحني ..يقبل قدميها ..يديها ..عينيها..ثم يبحث عن اكبر قطعة حلوى فوق المائدة..مرددا ="انا لست سمينا ..فقط ضخم الجثة" ..ياكل بسرعة وينهض..ينزع منها الابتسامة ومصروفا اضافيا...
ابنها الاكبر عندما يقبل بابتسامته المشرقة يرفعها الى الاعلى كطفلة ..يقبل جبهتها ..يطبطب عليها ..يسال عن كل صغيرة او كبيرة ..عودها منذ كان صغيرا ان ياتي لها بالزهور البرية..كل يوم على مدار سنوات طوال ..الان اصبح يهاديها وردة زكية...يرافقها في خرجات المشي على الشاطئ ..لانه يعرف عشقها للبحر..واحيانا لشراء ماتحتاجه..يساعدها في اعمال البيت ..عودها ان يكون هو المسؤول عنها..يجلس عند رجليها يضع راسه على ركبتيها لتداعب شعره الاشقر الجميل.مرددا =ياجمل الامهات انت يا اعظم امراة انت ..عندما يراها مكتئبة يصفر ولا يهدا له بال حتى يسري عنها..تمتلئ عيناها بالدموع..وهي تتمتم بادعية...
اما ابنتها فاغلب الوقت صامتة تبتسم ابتسامة ودودة تزيدها حلاوة وجمالا..تضحك لما يقوله اخوها الاصغر من كلمات غريبة..لا تتحدث الا نادرا كم هي حزينة ..مسجونة في قفص امانيها التي لم تتحقق..لم تستطيع بلوغ ما تريد بسبب تسلط ابيها ..ما درسته وما تعمله الان هو فقط مااراده وما اختاره هو..اختار لها كل شيء لكي تبقى الى جانبه ولا تغادر المدينة..هي الان تنتقم منه..كلما سمعت صوت محرك السيارة تصعد هاربة الى غرفتها..لا تكلمه ..لاتسال عنه ..اذا ناداها تتظاهر بالنوم...في نفس الوقت لا تتحدث معها الا فيما ندر..كانها تعاقبها لصبرها على تسلط ابيها وخياناته وتهربه من مسؤولياته تجاه اسرته وتركها تحفر في الحياة وحيدة ..احيانا تفاجئها بهدية كانها تقول لها اني هنا رغم كل شئ..احبك ..ولا افهم سبب بقائك معه.. تحتضنها ..تقبلها..وفي كل مرة تريد اخبارها بحقائق لا تعرفها ..لكن لا تريد ان تسمع..تفضل متابعة الافلام او التلهي بالتليفون...في البداية كانت تعتصر الما وتبحث عن شتى الوسائل للتقرب منها وارضائها ..لكن الصمت والابتسامة جدار لم تستطيع اقتحامه..وهذا يؤرقها..تريدها صديقة لكن..؟
الان كل واحد في عالمه ..هي الان وحدها منذ ان كبر الاولاد وهي وحيدة ..تعيش عوالم الاخرين من الكتاب ..تنهكها هذه العوالم ..لاتجد من تشاركه الاحساس بالمتعة او الالم او الغضب..تفرغ كل شيء في الكتابة ..تباغت نفسها تبكي بصمت ..تخرج الى الشوارع لاتعرف مكانا يملا كيانها ..هذه المدينة تبدو لها كعاهرة جميلة انتهكت انوثتها واجتت رحمها ..اينما رحلت تجد مايثير شفقتها ويبعث فيها الضجر..تعود وهي ترتجف ..تتكوم ..تبحث عن اغاني تشجيها ..تسمع وتسمع وتمتلئ طربا ..شغفا ..تمد يدها الى وجنتيها ..تقف امام المراة تردد لنفسها ="انا ضائعة" ...احيانا تتمدد تراقب السقف ..تباغت نفسها وهي تبتسم لتصرفات احد اولادها او تصرفات الصغار ..او تتوعد رجلا يعيش في البيت ..من المفروض انه زوجها ..سكنها...ههه
مهمته في المنزل ان يدخل ليلا ليجد طعامه فوق المائدة ..ثم يخرج صباحا دون تناول وجبة الفطور ..لا يسال ..لا يحدث احدا ..فقط ينادي ابنته التي تختبئ منه متظاهرة بالنوم...
هي لا يهمها وجوده ..تفضل الا يكون ..فهو يبعث فيها الرعب ويذكرها بالجحيم الذي عاشته الى جانبه..عندما لا يكون ..تفكر بحرية ..تقرا ..تشتغل ..تحس بامومتها وتلغي انوتثها ..كيفت نفسها على هذا الوضع..تريده ان يبتعد عنها فهو يبعث فيها القرف ..تتجمد اطرافها عند رؤيته اوعندما يقترب منها ...
ماكانت تريده هو القليل من دفء الحب او الود ..فكيف تحصل عليه ؟كيف وقد ولدت
في ليلة شتوية باردة ..كانت ليلة اربعاء في مستشفى عسكري ..كانت القابلة اسبانية من بقايا الاستعمار .. لما احتظنتنها فرغت فاها قائلة وهي ترسم الصليب يالله؟؟؟ =انها جميلة ..ساطلق عليها اسم "جميلة"..لا تفتا امها تذكرلها هذه الحكاية..
ابتسمت بمرارة عندما نطقت الاسم "جميلة"..تذكرت معنى ان تكون جميلة ويتحول هذا وبالا عليها .. فمن الذي يتمتع بالجمال هل الناس ام صاحبه؟؟..رددت لنفسها انه يجلب الحسد والغيرة ..يفرق بين الاصحاب ...التعاسة هي ما جلبه لها ..والان ماذا تبقى لها منه.. بعد ان داسها الزمن..؟هي لم تبحث ان تعيش ثرية ولم تكن لها مطالب ..فقط ارادت سكنا لقلبها تحس بوجوده يملا عليها المكان..ارادت فقط شعاعا يدفئها كذاك الذي استسلمت لمداعبته هذا الصباح ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق